ابن عربي
96
فصوص الحكم
على ذلك ، ولا بد من أحدهما لأن الأمر حق في نفسه . فعلى كل حال قد صح انقياد الحق إِلى عبده لأفعاله وما هو عليه من الحال . فالحال هو المؤثر . فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسرُّ وبما لا يسر : فبما يسر ( 1 ) « رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه » هذا جزاء ( 2 ) بما يسر ، « ومن يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْه عَذاباً كَبِيراً » هذا جزاء بما لا يسر . « ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ » هذا جزاء ( 3 ) . فصح أن ( 4 ) الدين هو الجزاء ، وكما أن الدين هو الإسلام والإسلام عين الانقياد فقد انقاد إِلى ما يسر وإِلى ما لا يسر وهو الجزاء . هذا لسان ( 5 ) الظاهر في هذا الباب . وأما سره وباطنه فإِنه تجلٍ ( 6 ) في مرآة وجود الحق : فلا يعود على الممكنات من الحق إِلا ما تعطيه ( 7 ) ذواتهم في أحوالها ، فإِن لهم في كل حال صورة ، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم ، فيختلف التجلي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون . فما أعطاه الخير سواه ولا أعطاه ضد الخير غيره ، بل هو منعم ذاته ومعذبها . فلا يذمَّنَّ إِلا نفسه ولا يحمدنَّ إِلا نفسه . « فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » في علمه بهم إِذ العلم يتبع المعلوم . ثم السر الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أن الممكنات على أصلها من العدم ، وليس وجودٌ إِلا وجود الحق بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أَنفسها وأعيانها . فقد ( 8 ) علمت من يلتذ ومن ( 9 ) يتألم وما يعقب كل حال من الأحوال وبه سمي عقوبة وعقاباً ( 10 ) وهو سائغ في الخير والشر غير أن العرف سماه في الخير ثواباً وفي الشر عقاباً ، وبهذا سمى أو شرح الدين بالعادة ، لأنه عاد عليه ما يقتضيه ويطلبه حاله : فالدين العادة : قال الشاعر : * كدِينِك من أم الحويرث قبلها *
--> ( 1 ) ساقطة في ن ( 2 ) ا ، ن : جزاء ( 3 ) ن : جزاء بما يسر ( 4 ) ن : ساقطة ( 5 ) ا : بلسان ( 6 ) ا : تجلى ( 7 ) ن : تعطيهم ( 8 ) ب : وقد ( 9 ) ن : أو ( 10 ) ا : وعقاب .